محمد بن أحمد الفرغاني
68
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
والأبحر السبعة تنتهي إلى بحر التجلّي الثاني ، وهي تنفد وتنتهي عند الرجوع إلى التجلّي الأول الذي هو البحر المحيط الذي هو منهل نبيّنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وتعيّن هذا التجلّي بأسمائه العليا التي هي كلماته يرجع وينتهي إلى بحر الإطلاق وكنه غيب الأزلية . وأمّا قوله تعالى : وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [ لقمان : الآية 27 ] ، يعني واللّه أعلم في النزول لتحقيق كمال الجلاء والبحر الذي يمدّه من بعده ، أي من ورائه بحر الوجود لكن من حيث كونه مفاضا ومضافا إلى الكائنات المستمدّ من سبعة أبحر الأسماء السبعة الأصلية عند توجّهها متنازلا لتحقيق كمال الجلاء المتعلّق بإظهار أحكام الحقائق والأسماء في المراتب الكونيّة ، فإن الوجود الذي هو عين الرحمة التي وسعت كل شيء ، وهو عين الرحمن له جهتان ، إحداهما : أنه مفيض على الحقائق الكونية لإظهار الكمالات المتعلقة بها لها منه ، فتعيّنت منه أسماء إلهيّة أصولا وفروعا يضاف حكم الإفاضة إلى كل واحد منها إلى ما لا ينحصر ولا يحصى كثرة ؛ كما بينّا آنفا . وأما جهته الثانية : كونه مفاضا مضافا إلى الكائنات في المراتب الكونية ، فتعين منه تعيّنات وجودية كل تعيّن مضاف إلى حقيقة من الحقائق الكونية بعضها متبوعة وبعضها تابعة ، والكل كلمات اللّه المتعلقة بأبديّته التي حقيقتها نفي الآخرية ، فلا جرم كلمات اللّه في النزول والتعلّق بالأبدية لا تتناهى ، وفي الرجوع تنتهي التعيّنات المفاضة إلى فروع كلمات من المفيض وهي الأسماء والفروع إلى أصولها ، وهي إلى أصل الأصول الذي هو ربّ محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وكلمات هذا الربّ البرّ هي مفاتيح الغيب تنتهي إلى باطنها الذي هو الحضرة الأزلية وإطلاق غيب الهويّة ، وإلى ذلك يشير بقوله تعالى : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً [ يونس : الآية 4 ] ، فإن حرف الهاء مع الواو يدلّ على الذات غالبا من حيث ظاهر حضرة الهوية المنبئة عن الجمعية بدلالة حرف الواو ، وأما بغير الواو يدلّ عليها لكن من حيث الوحدة الحقيقية الصرفة التي هي غيب الغيب . فإن قلت : أن لو حرف امتناع شيء لامتناع غيره ، وذلك يقتضي امتناع نفاد البحر لامتناع كون البحر مدادا لكلمات ربّه ، وعلى ما قرّرت مقتضاها وقوعهما ، فكيف يستقيم ذلك ؟